يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بعد المدة الطويلة عدنا اليكم بحلة جديدة

اطلب اي كتاب او برنامج او تلاوة احد المشايخ و انا اخدمك و في وقت قصير ان شاء الله

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حياة العلماء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حياة العلماء. إظهار كافة الرسائل

العالم الكبير الامام جلال الدين السيوطي








عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد سابق الدين خن الخضيري الأسيوطي المشهور باسم جلال الدين السيوطي، (القاهرة 849 هـ/1445 م- القاهرة 911 هـ/1505 م) من كبار علماء المسلمين.

نشأته

ولد السيوطي مساء يوم الأحد غرة شهر رجب من سنة849هـ، المـوافق سبتمبر من عام 1445م، في القاهرة، من أرمة عربية  ، رحل أبوه من اسيوط لدراسة العلم وهو يعتز بها وبجذوره واسمه عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وكان سليل أسرة أشتهرت بالعلم والتدين، وكان أبوه من العلماء الصالحين ذوي المكانة العلمية الرفيعة التي جعلت بعض أبناء العلماء والوجهاء يتلقون العلم على يديه. وقد توفي والد السيوطي ولابنه من العمر ست سنوات، فنشأ الطفل يتيمًا، وأتجه إلى حفظ القرآن، فأتم حفظه وهو دون الثامنة، ثم حفظ بعض الكتب في تلك السن المبكرة مثل العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، فاتسعت مداركه وزادت معارفه. وكان السيوطي محل العناية والرعاية من عدد من العلماء من رفاق أبيه، وتولى بعضهم أمر الوصاية عليه، ومنهم الكمال بن الهمام الحنفي أحد كبار فقهاء عصره، وتأثر به الفتى تأثرًا كبيرًا خاصة في ابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة.
وقام برحلات علمية عديدة شملت بلاد الحجاز والشام واليمن والهند والمغرب الإسلامي. ثم دَّرس الحديث بالمدرسة الشيخونية. ثم تجرد للعبادة والتأليف عندما بلغ سن الأربعين.


أحداث زمانه

سقطت الخلافة العباسية في بغداد عام 656هـ، الموافق عام 1258م في أيدي المغول وتحطم معها كل شيء بدءًا من النظام السياسي الذي سقط، والخليفة الذي قُتل هو والعلماء والرعية –إلا القليل- وانتهاءً بالمكتبة العربية الضخمة التي أُلقيت في نهر دجلة. وفي أقصى الغرب زالت دولة الإسلام بالأندلس بعد سقوط غرناطة عام 897هـ، الموافق عام 1492م، ثم جاءت معها محاكم التحقيق لتقضي على البقية الباقية من المسلمين هناك، ويحرق رهبان هذه المحاكم مكتبة الإسلام العامرة هناك، وبدا المشهد وكأن المغول والمسيحيين يطوون سجادة الإسلام من خريطة العالم، غير أن هذه الهزة السياسية العنيفة واكبها صعود ثقافي وعلمي للمسلمين حيث ظهر عصر الموسوعات الضخمة في العلوم والفنون والآداب، والذي أستمر أكثر من قرن ونصف. ومن أصحاب هذه الموسوعات الضخمة "ابن منظور" المتوفي 711 هـ، 1311م، صاحب كتاب "لسان العرب" و"النويري" المتوفي 732 هـ، 1331م، صاحب " نهاية الأرب"، و"ابن فضل الله العمري" المتوفي 748هـ، 1347م، صاحب "مسالك الأبصار" و"القلقشندي" المتوفي 821هـ، 1418م، صاحب "صبـح الأعشى".



شيوخه

عاش السيوطي في عصر كثر فيه العلماء الأعلام الذين نبغوا في علوم الدين على تعدد ميادينها، وتوفروا على علوم اللغة بمختلف فروعها، وأسهموا في ميدان الإبداع الأدبي، فتأثر السيوطي بهذه النخبة الممتازة من كبار العلماء، فابتدأ في طلب العلم سنة 864 هـ، 1459م، ودرس الفقه والنحو والفرائض، ولم يمض عامان حتى أجيز بتدريس اللغة العربية، وألف في تلك السنة أول كتبه وهو في سن السابعة عشرة، فألف "شرح الاستعاذة والبسملة" فأثنى عليه شيخه "علم الدين البلقيني". وكان منهج السيوطي في الجلوس إلى المشايخ هو أنه يختار شيخًا واحدًا يجلس إليه، فإذا ما توفي انتقل إلى غيره، وكان عمدة شيوخه "محيي الدين الكافيجي" الذي لازمه الـسيوطي أربعة عشر عامًا كاملة وأخذ منه أغلب علمه، وأطلق عليه لقب "أستاذ الوجود"، ومن شيوخه "شرف الدين المناوي" وأخذ عنه القرآن والفقه، و"تقي الدين الشبلي" وأخذ عنه الحديث أربع سنين فلما مات لزم "الكافيجي" أربعة عشر عامًا وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني، وأخذ العلم ـ أيضًا ـ عن شيخ الحنفية "الأفصرائي" و"العز الحنبلي"، و"المرزباني" "وجلال الدين المحلي" و"تقي الدين الشمني" وغيرهم كثير، حيث أخذ علم الحديث فقط عن (150) شيخًا من النابهين في هذا العلم. ولم يقتصر تلقي السيوطي على الشيوخ من العلماء الرجال، بل كان له شيوخ من النساء اللاتي بلغن الغاية في العلم، منهن "آسية بنت جار الله بن صالح"، و"كمالية بنت محمد الهاشمية" و"أم هانئ بنت أبي الحسن الهرويني"، و"أم الفضل بنت محمد المقدسي" وغيرهن كثير.




رحلاته

كانت الرحلات وما تزال طريقًا للتعلم، إلا أنها كانت فيما مضى من ألزم الطرق للعالم الذي يريد أن يتبحر في علمه، وكان السيوطي ممن سافر في رحلات علمية ليلتقي بكبار العلماء، فسافر إلى عدد من الأقاليم في مصر كالفيوم ودمياط والمحلة وغيرها، وسافر إلى بلاد الشام واليمن والهند والمغرب وتشاد ورحل إلى الحجاز وجاور بها سنة كاملة، وشرب من ماء زمزم، ليصل في الفقه إلى رتبة سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني.
لما أكتملت أدوات السيوطي جلس للإفتاء عام 871 هـ،1466م، وأملى الحديث في العام التالي، وكان واسع العلم غزير المعرفة، يقول عن نفسه: "رُزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع"، بالإضافة إلى أصول الفقه والجدل، والقراءات التي تعلمها بنفسه، والطب، غير أنه لم يقترب من علمي الحساب والمنطق. ويقول: "وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله، أقول ذلك تحدثًا بنعمة الله لا فخرًا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر؟!". وكانت الحلقات العلمية التي يعقدها السيوطي يقبل عليها الطلاب، فقد عُيّن في أول الأمر مدرسًا للفقه بالشيخونية، وهي المدرسة التي كان يلقي فيها أبوه دروسه من قبل، ثم جلس لإملاء الحديث والإفتاء بجامع ابن طولون، ثم تولى مشيخة الخانقاه البيبرسية التي كانت تمتلئ برجال الصوفية. نشب خلاف بين السيوطي والمتصوفة، وكاد هؤلاء المتصوفة أن يقتلوه، حينئذ قرر أن يترك الخانقاه البيبرسية، ويعتزل الناس ومجتمعاتهم ويتفرغ للتأليف والعبادة.



اعتزال السيوطي الحياة العامة

قضى السيوطي فترة غير قصيرة في خصومات مع عدد من علماء عصره، كان ميدانها الحملات الشرسة في النقد اللاذع في الترجمة المتبادلة، ومن خصومه: البرهان الكركي، وأحمد بن محمد القسطلاني، والشمس الجوجري، غير أن أشد خصوماته وأعنفها كانت مع شمس الدين السخاوي، الذي أتهم السيوطي بسرقة بعض مؤلفاته، واغتصاب الكتب القديمة التي لا عهد للناس بها ونسبتها إلى نفسه.
لم يقف السيوطي مكتوف الأيدي في هذه الحملات، بل دافع عن نفسه بحماسة بالغة وكان من عادته أن يدعم موقفه وقراره بوثيقة ذات طابع أدبي، فألف رسالة في الرد على السخاوي، اسمها "مقامة الكاوي في الرد على السخاوي" نسب إليه فيها تزوير التاريخ، وأكل لحوم العلماء والقضاة ومشايخ الإسلام. وكان لهذه العلاقة المضطربة بينه وبين بعض علماء عصره، وما تعرض له من اعتداء في الخانقاه البيبرسية أثر في اعتزال الإفتاء والتدريس والحياة العامة ولزوم بيته في روضة المقياس على النيل، وهو في الأربعين من عمره، وألف بمناسبة اعتزاله رسالة أسماها المقامة اللؤلؤية، ورسالة "التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس".
تنبه بعض خصوم السيوطي إلى خطئهم فيما صوبوه إلى هذا العالم الجليل من سهام في النقد والتجريح وخصومات ظالمة، فأعلنوا عن خطئهم، وفي مقدمتهم الشيخ القسطلاني الذي أراد أن يسترضي هذا العالم الجليل الذي لزم بيته وعزف عن لقاء الناس، فتوجه إليه حافيًا معتذرًا، غير أن هذا الأمر لم يجعل السيوطي يقطع عزلته ويعود إلى الناس، ولكنه استمر في تفرغه للعبادة والتأليف.




اعتزال السلاطين

عاصر السيوطي (13) سلطانًا مملوكيًا، وكانت علاقته بهم متحفظة، وطابعها العام المقاطعة وإن كان ثمة لقاء بينه وبينهم، وضع نفسه في مكانته التي يستحقها، وسلك معهم سلوك العلماء الأتقياء، فإذا لم يقع سلوكه منهم موقع الرضا قاطعهم وتجاهلهم، فقد ذهب يومًا للقاء السلطان الأشرف قايتباي وعلى رأسه الطيلسان [عمامة طويلة] فعاتبه البعض، فأنشأ رسالة في تبرير سلوكه أطلق عليها "الأحاديث الحسان في فضل الطيلسان". وفي سلطنة طومان باي الأول حاول هذا السلطان الفتك بالسيوطي، لكن هذا العالم هجر بيته في جزيرة الروضة واختفى فترة حتى عُزل هذا السلطان.
كان بعض الأمراء يأتون لزيارته، ويقدمون له الأموال والهدايا النفيسة، فيردها ولا يقبل من أحد شيئا، ورفض مرات عديدة دعوة السلطان لمقابلته، وألف في ذلك كتابًا أسماه "ما وراء الأساطين في عدم التردد على السلاطين".




ريادة ثقافية في عصر العلماء

كان السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع.
أعانه على كثرة تأليفه انقطاعه التام للعمل وهو في سن الأربعين حتى وفاته، وثراء مكتبته وغزارة علمه وكثرة شيوخه ورحلاته، وسرعة كتابته، فقد اتسع عمره التأليفي (45) سنة، حيث بدأ التأليف وهو في السابعة عشرة من عمره، وانقطع له (22) عامًا متواصلة، ولو وُزع عمره على الأوراق التي كتبها لأصاب اليوم الواحد (40) ورقة، على أن القسم الأكبر من تأليفه كان جمعًا وتلخيصًا وتذييلا على مؤلفات غيره، أما نصيبه من الإبداع الذاتي فجِدّ قليل.
تمنى السيوطي أن يكون إمام المائة التاسعة من الهجرة لعلمه الغزير، فيقول: "إني ترجيت من نعم الله وفضله أن أكون المبعوث على هذه المائة، لانفرادي عليها بالتبحر في أنواع العلوم". زادت مؤلفات السيوطي على الثلاثمائة كتاب ورسالة، عدّ له بروكلمان (415) مؤلفا، وأحصى له "حاجي خليفة" في كتابه "كشف الظنون" حوالي (576) مؤلفا، ووصل بها البعض كابن إياس إلى (600) مؤلف. من مؤلفاته في علوم القرآن والتفسير: "الاتقان في علوم التفسير"، و"متشابه القرآن"، و" الإكليل في استنباط التنزيل"، و"مفاتح الغيب في التفسير"، و"طبقات المفسرين"، و"الألفية في القراءات العشر".
أما الحديث وعلومه، فكان السيوطي يحفظ مائتي ألف حديث كما روى عن نفسه، وكان مغرما بجمع الحديث واستقصائه لذلك ألف عشرات الكتب في هذا المجال، يشتمل الواحد منها على بضعة أجزاء، وفي أحيان أخرى لا يزيد عن بضع صفحات.. ومن كتبه: "إسعاف المبطأ في رجال الموطأ"، و" تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك"، و" جمع الجوامع"، و" الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة"، و" المنتقى من شعب الإيمان للبيهقي"، و"أسماء المدلسين"، و"آداب الفتيا"، و" طبقات الحفاظ".
في الفقه ألف "الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي"، و"الحاوي في الفتاوي"، و" الجامع في الفرائض" و" تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع" وفي اللغة وعلومها كان له فيها أكثر من مائة كتاب ورسالة منها: "المزهر في اللغة"، و"الأشباه والنظائر في اللغة"، و"الاقتراح في النحو"، و"التوشيح على التوضيح"، و"المهذب فيما ورد في القرآن من المعرب"، و"البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك". وفي ميدان البديع كان له: "عقود الجمان في علم المعاني والبيان"، و"الجمع والتفريق في شرح النظم البديع"، و"فتح الجليل للعبد الذليل".

في التاريخ والطبقات ألف أكثر من (55) كتابًا ورسالة يأتي في مقدمتها: "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة"، و"تاريخ الخلفاء"، و"الشماريخ في علم التاريخ"، و"تاريخ الملك الأشرف قايتباي"، و"عين الإصابة في معرفة الصحابة"، و"بغية الوعاة في طبقات النحاة"، و"نظم العقيان في أعيان الأعيان"، و"در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة"، و"طبقات الأصوليين". ومن مؤلفاته الأخرى الطريفة: "منهل اللطايف في الكنافة والقطايف"، و"الرحمة في الطب والحكمة"، و"الفارق بين المؤلف والسارق"، و"الفتاش على القشاش"، و"الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض". شاءت إرادة الله أن تحتفظ المكتبة العربية والإسلامية بأغلب تراث الإمام السيوطي، وأن تطبع غالبية كتبه القيمة وينهل من علمه الكثيرون.



تلاميذه

وتلاميذ السيوطي من الكثرة والنجابة بمكان، وأبرزهم "شمس الدين الداودي" صاحب كتاب "طبقات المفسرين"، و"شمس الدين بن طولون"، و"شمس الدين الشامي" محدث الديار المصرية، والمؤرخ الكبير "ابن إياس" صاحب كتاب "بدائع الزهور".


وفاته

توفي الإمام السيوطي في منزله بروضة المقياس على النيل في القاهرة في 19 جمادى الأولى 911 هـ، الموافق 20 أكتوبر 1505 م، ودفن خارج باب القرافة في القاهرة، ومنطقة مدفنه تعرف الآن بمقابر سيدي جلال نسبة إليه، وقبره معروف هناك.



المصادر
-معروف ، ناجي ، عروبة الامام السيوطي ،؟ مجلة الاقلام ، بغداد ، سنة 1996 ، ص76.
-جلال الدين السيوطي - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - القاهرة ـ الطبعة الأولى 1387 هـ/1967م.
-مصطفى الشكعة: جلال الدين السيوطي ـ مطبعة الحلبي 1401هـ، 1981م.
-عبد الحفيظ فرغلي القرني: الحفاظ جلال الدين السيوطي ـ سلسلة أعلام العرب (37) ـ ---الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1990.
-محمد عبد الله عنان: مؤرخو مصر الإسلامية ـ الهيئة العامة للكتاب ـ "سلسلة مكتبة الأسرة".
تم نشره بواسطة: م - 5:51:00 م

شيخ الاسلام الحافظ أحمد بن حجر بن أحمد العسقلاني الكناني






هو شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد العسقلاني الكناني ، الكناني القبيلة العسقلاني الأصل الشافعي المذهب المصري المولد، (773 هـ - 852 هـ)، الملقب بـ أمير المؤمنين في الحديث

المولد والنشأة

ولد المحدث ابن حجر العسقلاني في مدينة القاهرة في 23 شعبان سنة 773 هـ، وهو من عائلة من قبيلة كنانة بن خزيمة من مضر كانت تسكن مدينة عسقلان وهاجرت إلى مصر قبل أن يولد هناك. وكان والده عالماً أديباً ثرياً، وأراد لابنه أن ينشأ نشأة علمية أدبية إلا أنه توفي ولم يزل أحمد طفلاً فكفله أحد أقارب والده زكي الدين الخروبي كبير تجار الكارم في مصر، فرعاه الرعاية الكاملة وأدخله الكُتّأب فظهر نبوغه المبكر فقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشر سنة ووُصف بأنه كان لا يقرأ شيئاً إلا أنطبع في ذهنه.


رحلاته في طلب العلم

رحل إلى مكة سنة 785 هـ وأقام بها سنة ودرس خلالها الحديث على يد الشيخ عبد الله بن سليمان النشاوري، وقد قرأ عليه صحيح البخاري وسمع في مكة من الشيخ جمال الدين بن ظهيرة.
ورحل من مكة إلى مصر عائداً فداوم على دراسة الحديث الشريف على يد الحافظ عبد الرحيم العراقي، وتلقى الفقه الشافعي من الشيخ ابن الملقن والعز ابن جماعة وعليه درس الأصول وباقي العلوم الآلية كالمنهاج وجمع الجوامع وشرح المختصر والمطول.
ثم رحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحي.
أقام في فلسطين وتنقل في مدنها يسمع من علمائها ويتعلم منهم، ففي غزة سمع من أحمد بن محمد الخليلي وفي بيت المقدس سمع من شمس الدين القلقشندي، وفي الرملة سمع من أحمد بن محمد الأيكي، وفي الخليل سمع من صالح بن خليل بن سالم، وبالجملة فقد تلقى ابن حجر مختلف العلوم عن جماعة من العلماء كل واحد كان رأساً في فنه كالقراءات والحديث واللغة والفقه والأصول، ويذكر عن شيخه العز بن جماعة أنه قال: أقرأ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها.


مكانته بين أهل عصره

تفرد ابن حجر من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعة وقراءة وتصنيفاً وافتاءً حتى شهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد والعدو والصديق، حتى كان إطلاق لفظ "الحافظ" عليه كلمة إجماع بين العلماء، وقد رحل إليه الطلبة من الأقطار وطارت مؤلفاته في حياته وانتشرت في البلاد وتكاتب الملوك من قطر إلى قطر في شأنها وكانت له اليد الطولى في الشعر، وله ديوان شعر متوسط الحجم مطبوع. قال السخاوي: شهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث. وقال السيوطي: إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدم عساكر المحدثين، وعمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابي التعديل والتجريح. وقال عبد الحي العكبري: انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنازل وعلل الأحاديث وغير ذلك وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار.


الوظائف التي شغلها

شغل ابن حجر الكثير من الوظائف المهمة في الإدارة المملوكية المصرية، مما هيأ له الوقوف على مجريات السياسة المصرية ودخائلها آنذاك ومكّنه من الاتصال المباشر بالمصادر الأولى لأحداث عصره.
تولى ابن حجر الإفتاء واشتغل في دار العدل وكان قاضي قضاة الشافعية. وعني ابن حجر عناية فائقة بالتدريس واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء والإفتاء وقد درّس في أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عهده من مثل: المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الاستادار في القاهرة (وجمال الدين هذا من أهالي البيرة قرب رام الله في فلسطين).


مؤلفاته


له مؤلفات وتصانيف كثيرة زادت على مئة وخمسين مصنفاً في مجموعة من العلوم المهمة، أشهرها وأهمها:


مخطوطة من كتاب "تسديد القوس مختصر مسند الفردوس" بخط مؤلفه ابن حجر العسقلاني
فتح الباري شرح صحيح البخاري (خمسة عشر مجلداً)، ومكث ابن حجر في تأليفه عشرين سنة، ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً. ويعتبر هذا الكتاب أفضل شرح وأعمّه نفعاً لصحيح البخاري، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله محمد من حديث وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق (ديوان السنة النبوية)، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية. وقد اشتهر هذا الكتاب في عهد صاحبه حتى قبل أن يتمه وبلغ شهرته أن الملك شاه رخ بن تيمور ملك الشرق بعث بكتاب إلى السلطان برسباي يطلب منه هدايا من جملتها (فتح الباري) فجهز له ابن حجر ثلاث مجلدات من أوائله.
الإصابة في تمييز الصحابة، وهو كتاب تراجم ترجم فيه ابن حجر للصحابة فكان من أهم المصادر في معرفة الصحابة.
تهذيب التهذيب، ومختصره كتاب تقريب التهذيب.
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ذكر فيه أحاديث لم يخرجها أصحاب المسانيد الثمانية.
الدراية في تخريج أحاديث الهداية ويعتبر من كتب التخريج البديعة وقد خرج فيه الأحاديث الواردة في كتاب الهداية وهو مرجع فقهي وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة.
إنباء الغمر بأنباء العمر، وهو مؤلف ضخم يقع في حوالي ألف صفحة كبيرة حيث يتبع نظام الحوليات والشهور والأيام في تدوين الحوادث. ثم يتبع حوادث كل سنة بأعيان الوفيات. وقد أفاض في ذكر ما يتعلق بمصر من هذه الحوادث، وهو يتناول الأحداث التي وقعت بين سنة (773 هـ - 850 هـ).
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وهو معجم ضمنه تراجم أعيان القرن الثامن الهجري من علماء وملوك وسلاطين وشعراء وغيرهم من مصر ومختلف بلاد الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب من أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية في الفترة التي يتناولها.
رفع الإصر عن قضاة مصر، وهو معجم لقضاة مصر منذ الفتح الإسلامي حتى آخر القرن الثامن الهجري.
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وهو في علم مصطلح الحديث.
تسديد القوس مختصر مسند الفردوس.
بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
لسان الميزان.
تغليق التعليق في وصل معلقات البخاري.
ديوان ابن حجر، في الشعر.
غبطة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر.
القول المسدد في الذب عن المسند
من نظمه

كان ابن حجر شاعراً مطبوعاً، وتبوأ مكانة مرموقة بين أدباء عصره، ومن شعره:
إنما الأعمال بالنيات في كل أمر أمكنت فرصتهُ
فانو خيراً وافعل الخير فإن لم تطقه أجزأت نيتهُ
وله في مطلع قصيدة طويلة في المديح النبوي، منها:
إن كنت تنكر حباً زادني كلفا حسبي الذي قد جرى من مدمع وكفى
وإن تشككت فسئل عاذلي شجـني كم بت أشكو الأسى والبث والأسفا
كدرت عيشاً تقضى في بعادكمو وراق مـني نسيب فيكمو وصفا
سرتم وخلفتمو في الحي ميت هوى لولا رجـاء تلاقيكم لقد تلفا


وفاته

توفي في أواخر ذي الحجة سنة 852 هـ وكان له مشهد لم ير مثله فيمن حضره من الشيوخ، وشهده أمير المؤمنين والسلطان وقدم الخليفة للصلاة عليه، وكان ممن حضر الجنازة الشاعر الشهاب المنصوري فلما وصلوا بالجنازة إلى المصلى أمطرت السماء على نعشه. وقد أفرد تلميذُه السخاوي ترجمته في كتاب ضخم، سماه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، طُبع في ثلاثة مجلدات بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد، ونشر في دار ابن حزم ببيروت سنة 1999. ويوجد قبره في مقابر الامام الشافعي مصر القديمة بالقرب من مقام الليث بن سعد
تم نشره بواسطة: م - 1:24:00 ص

الامام الفقيه ابن القيم الجوزية رحمه الله







ابن قيم الجوزية (691 هـ - 751 هـ / 1292م - 1349م) من علماء المسلمين في القرن الثامن الهجري وصاحب المؤلفات العديدة، عاش في دمشق ودرس على يد ابن تيمية الدمشقي ولازمه قرابة 16 عاما وتأثر به. وسجن في قلعة دمشق في أيام سجن ابن تيمية وخرج بعد أن توفى شيخه عام 728 هـ.

اسمه ونسبه

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزُّرعي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بشمس الدين، أبو عبد الله وابن قيم الجوزية من عائلة دمشقية عرفت بالعلم والالتزام بالدين واشتهر خصوصاً بابن قيم الجوزية وقيم الجوزية هو والده فقد كان قيماً على المدرسة الجوزية بدمشق مدة من الزمن، واشتهر بذلك اللقب ذريته وحفدتهم من بعد ذلك، وقد شاركه بعض أهل العلم بهذه التسمية وتقع هذه المدرسة بالبزورية المسمى قديما سوق القمح أو سوق البزورية (أحد اسواق دمشق)، وبقي منها الآن بقية ثم صارت محكمة إلى سنة 1372هـ، 1952م.


مولده ونشأته

ولد في اليوم السابع من شهر صفر لعام 691ه   ] الموافق 2 فبراير 1292م. ويقال أنه ولد في ازرع جنوب سوريا وقيل في دمشق.


عبادته وزهده

قال ابن رجب: "وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة، والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله والانكسار له، والانطراح بين يديه وعلى عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس بمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد اُمتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردا عنه ولم يخرج إلا بعد موت الشيخ. وكان في مدة حبسه منشغلا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر ففتح عليه من ذلك خير كثير وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والدخول في غوامضهم وتصانيفه ممتلئة بذلك. وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرا يتعجب منه".
وقال ابن كثير: "لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك".
وقال ابن حجر العسقلاني: "وكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي لو لم أقعدها سقطت قواي، وكان يقول: بالصبر والفقر تنال الإمامة بالدين وكان يقول: لابد للسالك من همة تسيره وترقيه وعلم يبصره ويهديه".


مهنته

الإمامة بالجوزية.
التدريس بالصدرية، وأماكن أخرى.
التصدي للفتوى.
التأليف.


فتاوى امتحن بسببها

مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد.
فتواه بجواز المسابقة بغير محلل: وذكر ابن حجر أنه رجع عن هذه الفتوى، وما ثمة دليل على الرجوع، والله أعلم بالصواب، وقوله هو الصواب الموافق للدليل.
إنكاره شد الرحال إلى قبر النبي إبراهيم.
مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء.
اتصاله بابن تيمية

اتفق المؤرخون على أن تأريخ اللقاء بين ابن قيم الجوزية وابن تيمية كان منذ سنة 712 هـ وهي السنة التي عاد فيها الشيخ ابن تيمية من مصر إلى دمشق واستقر فيها إلى أن مات سنة 728 هـ. وقد امتحن ابن القيم لمناصرته لشيخه وسجن معه. يقول ابن رجب: ( وقد امتحن وأوذي مرات وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ). ويقول ابن حجر: ( إنه اعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروبا بالدرة فلما مات أفرج عنه). وقال ابن القيم في نونيته واصفا توبته على يد ابن تيمية:
يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفق وأخ لكم معوان
جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران
حتى أتاح لى الإله بفضله من ليس تجزيه يدى ولساني
حبر أتى من أرض حران فيا أهلا بمن قد جاء من حران
فالله يجزيه الذي هو أهله من جنة المأوى مع الرضوان
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني مطلع الإيمان
ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن
ورأيت آثارا عظيما شأنها محجوبة عن زمرة العميان


مشايخه

له عدد كبير من المشايخ جمعهم الشيخ بكر أبو زيد وذكر منهم خمسة وعشرين،منهم:
قيم الجوزية: والده.
ابن تيمية. أخذ عنه الفقه والأصول
ابن عبدالدائم: أحمد بن عبدالدائم بن نعمة المقدسي مسند وقته.
بدر الدين ابن جماعة.
أحمد بن عبد الرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة النابلسي.
ابن الشيرازي: ذكر في مشيخة ابن القيم ولم يذكر نسبه فاختلف فيه.
المجد الحراني: إسماعيل مجد الدين بن محمد الفراء شيخ الحنابلة.
ابن مكتوم: إسماعيل الملقب بصدر الدين والمكنى بأبي الفداء بن يوسف بن مكتوم القيسي.
الكحال: أيوب زين الدين بن نعمة النابلسي الكحال.
الإمام الحافظ الذهبي.
الحاكم: سليمان تقي الدين أبو الفضل بن حمزة بن أحمد بن قدامة المقدسي مسند الشام وكبير قضاتها.
شرف الدين ابن تيمية: عبد الله أبو محمد بن عبد الحليم بن تيمية النميري أخو ابن تيمية.
بنت الجوهر: فاطمة أم محمد بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي البعلي، المسندة المحدثة.
عيسى المطعم
ابن أبي الفتح البعلي: قرأ عليه المخلص لأبي البقاء، ثم قرأ الجرجانية ثم ألفية ابن مالك وأكثر الكافية والشافية وبعض التسهيل
مجد الدين التونسي: قرأ عليه قطعة من المقرب لابن عصفور
صفي الدين الهندي: أخذ عنه الفقه والأصول
إسماعيل بن محمد الحراني: قرأ عليه الروضة لابن قدامة


تلاميذه

وتلاميذه كثر ذكر منهم الشيخ بكر إحدى عشر،. منهم:
البرهان بن قيم الجوزية: ابنه برهان الدين إبراهيم.
الإمام الحافظ ابن كثير.
الإمام ابن رجب الحنبلي.
علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي
الإمام الحافظ الذهبي.
الحافظ ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي.
الفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي صاحب القاموس.


مؤلفاته

بلغ بها الشيخ بكر أبو زيد 98 مؤلفا [14] وطبع منها:
تحويل قالب:عمو-3
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.
أحكام أهل الذمة.
إعلام الموقعين عن رب العالمين.
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.
إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان.
بدائع الفوائد.
التبيان في أقسام القرآن.
تحفة المودود بأحكام المولود.
جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء.
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
الروح.
زاد المعاد في هدي خير العباد.
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
الطب النبوي. ( وهو جزء من كتاب زاد المعاد )
طريق الهجرتين وباب السعادتين.
الطرق الحكمية.
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين.
الفروسية.
الفوائد.
الكافية الشافية في النحو.
الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.
الكلام على مسألة السماع.
كتاب الصلاة وأحكام تاركها.
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.
المنار المنيف في الصحيح والضعيف.
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.
الوابل الصيّب من الكلم الطيّب.


وفاته

توفي في ليلة الخميس 13/7/751هـ، 1349م في وقت أذان العشاء وبه كمل من العمر ستون سنة. وصلى عليه في الجامع الأموي بدمشق بعد صلاة الظهر ثم بجامع جراح وأزدحم الناس للصلاة عليه ودفن عند والدته بمقبرة الباب الصغير.
تم نشره بواسطة: م - 12:26:00 م

حياة الامام الملقب بشيخ الاسلام الحسين بن علي التيمي البكري الرازي







محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التيمي البكري (من بني تيم من قريش يلتقي مع أبي بكر الصديق به) الرازي المعروف بفخر الدين الرازي الطبرستانی أو ابن خطيب الري. وهو إمام مفسر شافعي، عالم موسوعي امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك. ولد في الريّ. قرشي النسب، أصله من طبرستان. رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان. وأقبل الناس على كتبه يدرسونها، وكان يحسن الفارسية.
كان قائما لنصرة الأشاعرة، ويرد على الفلاسفة والمعتزلة، وكان إذا ركب يمشى حوله ثلاث مئة تلميذ من الفقهاء، ولقب بشيخ الإسلام.
له تصانيف كثيرة ومفيدة في كل فن من أهمها: التفسير الكبير الذي سماه "مفاتيح الغيب"، وقد جمع فيه ما لايوجد في غيره من التفاسير، وله "المحصول" في علم الأصول، و"المطالب العالية" في علم الكلام، "ونهاية الإجاز في دراية الإعجاز" في البلاغة، و"الأربعين في أصول الدين"، وكتاب الهندسة. وقد اتصل الرازى بالسلطان محمد بن تكشي الملقب بخوارزم شاه ونال الحظوة لديه. توفي الرازي في مدينة هراة سنة 606 هـ.


ولد فخر الدين الرازي بمدينة الري عام 543 هـ /1148م، وكان والده الإمام ضياء الدين عمر بن الحسن فقيها اشتغل بعلم الخلاف في الفقه وأصول الفقه، وله تصانيف كثيرة في الأصول والوعظ وغيرهما. وعلى يد والده تعلم فخر الدين العلوم اللغوية والدينية، وتتلمذ في العلوم العقلية على يد مجد الدولة الجيلي بمدينة مراغة (قرية مشهورة بأذربيجان). صار لفخر الدين الرازي تلاميذ صاروا علماء كبارا من بينهم: زين الدين الكشي، وشهاب الدين المصري. وقد كان فخر الدين الرازي شديد الدقة في أبحاثه، جيد الفطرة، حاد الذكاء، حسن العبارة، قوي النظر في صناعة الطب ومباحثها، عارفا بالأدب، ويتقن العربية والفارسية، وله شعر باللغتين العربية والفارسية. وكان طلاب العلم يقصدونه من كافة البلدان يعشقون مجلسه والاستماع إليه، وكان يعقد مجالسه العلمية حيثما حل في بلاد فارس، وخراسان، وبلاد ما وراء النهر، وكان يقرب منه في حلقات درسه تلاميذه الكبار، وبقية الطلاب والأمراء والعظماء من مستمعيه في حلقة تتلوها حلقة.


قصة الحمامة

حدث في إحدى هذه المجالس أن حمام يطاردها صقر رفرفت في دائر صحن جامع هراة وسقيفته، وكانت العيون ترقبها فلم تجد ملاذا لها سوى أن تدخل إيوان الجامع، ومرت بين الصفوف المتحلقة، وفوق الرؤوس، واستقرت في حجر فخر الدين الرازي، فراح يربت على رأسها وريشها، ففر الصقر هاربا ونجت الحمامة، وكان الشاعر شرف الدين حاضرا المجلس، فارتجل شعرا في حكاية الحمامة، ومدح فخر الدين الرازي.

أحواله

وقد عانى فخر الدين الرازي في صباه وشبابه الكثير من أخيه الأكبر سنا الملقب بالركن، وكان أخوه الركن يعرف شيئا من علوم الفقه والأصول، لكنه كان أهوج كثير الاختلال، ولذلك كان أبوهما لا يخفي إيثار فخر الدين الرازي على أخيه الأكبر، لذا كان هذا الأخ الأكبر يشعر بالغيرة من أخيه فخر الدين الرازي. فقد كان يتبعه في أسفاره ويسير خلفه يشنع عليه ويسفه المشتغلين بكتبه والناظرين في أقواله محتجا بأنه أكبر منه وأعلم وأكثر معرفة بالفقه وأصوله، متعجبا من الناس كيف يقولون فخر الدين الرازي ولا يقولون ركن الدين، ومع ذلك كان فخر الدين الرازي حينما يبلغه هذا الأمر يشعر بالإشفاق عليه ويسارع بالإحسان إليه. وقد عانى فخر الدين الرازي في شبابه المشقات في أسفاره في طلب العلم، فقد غادر الري قاصدا بخارى ليكتسب جديدا من العلم، ويكسب بعض المال وكانت بخارى ما زالت منارة من منارات العلم والمعرفة، ونزل في الطريق بخوارزم وعقد بها حلقة للعلم تحدث فيها بالفارسية والعربية بآراء لم ترضِ أهل خوارزم فأخرجوه منها، وقصد بخارى فوجد أهلها مثل أهل خوارزم، وعانى من الفقر والجوع، فآوى إلى مسجدها الجامع إلى أن رعاه رجل من أهل بخارى، وجمع له مالا من أموال الصدقات. وعاد فخر الدين الرازي بعد ذلك إلى الري وأمن إلى طبيب حاذق له ثروة وله بنتان تزوج إحداهما، وتوفي هذا الطبيب بعد قليل فورثت ابنته ثروة لا بأس بها. وتوجه فخر الدين الرازي إلى السلطان شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، فبالغ في إكرامه، ثم توجه فخر الدين الرازي إلى خراسان، واتصل بالسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش، ويقال إنه قد أرسله رسولا إلى الهند في بعض أموره.
ومن بعد خراسان توجه فخر الدين الرازي إلى هرات (مدينة في أفغانستان)، وقد عزم على الإقامة مع أهله وولديه بها، واستقر فخر الدين الرازي في أواخر حياته بمدينة هرات، وصارت له بها دار فخمة أعطاها له السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش الذي كان حريصا دائما على حضور مجالسه العلمية. وقد كان يعقد مجالسه العلمية بمسجد هرات. وقد توفي بهرات، ودفن بظاهر هرات عند جبل قريب منها عام 606هـ /1209 م. وفخر الدين الرازي بمجمل مؤلفاته هو أول مَن ابتكر الترتيب وفق قواعد المنطق في كتبه، من حيث ترتيب المقدمات واستنباط النتائج مراعيا التقسيم إلى أبواب، وتقسيم الأبواب إلى فصول، وتقسيم الفصول إلى مسائل فلا تشذ منه مسألة، حتى انضبطت له القواعد، وانحصرت معه المسائل. وفخر الدين الرازي هو أول مَن قال من العرب: إن علم المنطق علم قائم بذاته وليس جزءا من غيره. ومن أهم إنجازات فخر الدين الرازي أنه كان من أوائل العلماء الذين قالوا بنظرية الورود في الضوء من المبصرات إلى العين، وفي كيفية الإبصار. وقد فسر فخر الدين الرازي حدوث الصوت في كتابه المباحث الشرقية بسببين: الأول منهما قريب يحدث من صدم فسكون فصدم فسكون. والثاني منهما بعيد ويحدث من عاملين: القرع. القلع.


اكتشافاته

وقد اكتشف فخر الدين الرازي الفرق بين قوة الصدمة والقوة الثابتة، فالأولى زمنها قصير، والثانية زمنها طويل. كما اكتشف أن الأجسام كلما كانت أعظم كانت قوتها أقوى، وزمان فعلها أقصر، وأن الأجسام كلما كانت أعظم كان ميلها إلى أحيازها الطبيعية أقوى وكان قبولها للميل القسري أضعف. وقد ذكر فخر الدين الرازي أن الحركة حركتان: حركة طبيعية سببها موجود في الجسم المتحرك، وحركة قسرية سببها خارج عن الجسم المتحرك. كما عزا فخر التغير الطارئ على سرعة الجسم إلى المعوقات التي يتعرض لها، ولولاها لاحتفظ الجسم بسرعة ثابتة إذ أن تغير السرعة مرهون بتغير هذه المعوقات، داخلية كانت أو خارجية. وكلما كانت المعوقات أقوى كانت السرعة أضعف. وذكر فخر الدين الرازي أن الجسمين إذا اختلفا في قبول الحركة الطبيعية، لم يكن ذلك الاختلاف بسبب المتحرك بل بسبب اختلاف حال القوة المحركة بين الجسمين، فالقوة في الجسم المتحرك الأكبر، أكثر مما في الجسم المتحرك الأصغر. وأن الجسمين المتحركين حركة قسرية تختلف حركتهما لا لاختلاف المحرك بل لاختلاف المتحرك، فالمعاوق في الكبير أكثر منه في الصغير. وشرح القانون الثالث من قوانين الحركة الذي يقول: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. وقد شارك فخر الدين الرازي العالم العربي المسلم ابن ملكا البغدادي في القول بأن الحلقة المتزنة بتأثير قوتين متساويتين تقع تحت تأثير فعل ومقاومة أي أن هناك فعلا ورد فعل متساويين في المقدار ومتضادان في الاتجاه يؤديان إلى حالة الاتزان.


مؤلفاته

وقد ألف فخر الدين الرازي كتبا كثيرة، وشرح كتبا أقل، في شتى العلوم والفنون في عصره، خلال حياة امتدت أربعة وستين عاما. ومن أهم شروحه شرح الإشارات والتنبيهات للعالم ابن سينا. ومن أهم كتبه في الفيزياء: المباحث الشرقية وهو كتاب موسوعي على غرار كتاب ابن ملكا البغدادي: المعتبر في الحكمة وهو من أشهر كتبه، وقد أودع فيه كافة إنجازاته العلمية. ومن أهم كتبه في الرياضيات: مصادرات إقليدس وهو كتاب في الهندسة. ومن أهم مؤلفاته في الفلك: رسالة في علم الهيئة. ومن أهم كتبه في الطب: مسائل في الطب. كتاب في النبض. كتاب في الأشربة. وكتابان لم يتمهما: الطب الكبير أو الجامع الملكي الكبير. كتاب في التشريح من الرأس إلى القدم. وهو كتاب هام في علم التشريح وله شروح لبعض كتب ابن سينا الطبية وهي: القانون في الطب. الكليات. عيون الحكمة. وله كتاب في الأخلاق بعنوان: النفس والروح وشرح قواهما دراسة وتحقيق الدكتور عبدالله محمد عبدالله إسماعيل (المكتبة الأزهرية للتراث، مصر 2012م). ومن كتبه في علم الكلام: أساس التقديس دراسة وتحقيق الدكتور عبدالله محمد عبدالله إسماعيل (المكتبة الأزهرية للتراث، مصر 2010م).
تم نشره بواسطة: م - 12:11:00 م

حياة أمير المؤمنين في الحديث الامام أحمد بن حجر بن أحمد العسقلاني الكناني






هو شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد العسقلاني الكناني ، الكناني القبيلة العسقلاني الأصل الشافعي المذهب المصري المولد، (773 هـ - 852 هـ)، الملقب بـ أمير المؤمنين في الحديث[1].


المولد والنشأة

ولد المحدث ابن حجر العسقلاني في مدينة القاهرة في 23 شعبان سنة 773 هـ، وهو من عائلة من قبيلة كنانة بن خزيمة من مضر كانت تسكن مدينة عسقلان وهاجرت إلى مصر قبل أن يولد هناك. وكان والده عالماً أديباً ثرياً، وأراد لابنه أن ينشأ نشأة علمية أدبية إلا أنه توفي ولم يزل أحمد طفلاً فكفله أحد أقارب والده زكي الدين الخروبي كبير تجار الكارم في مصر، فرعاه الرعاية الكاملة وأدخله الكُتّأب فظهر نبوغه المبكر فقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشر سنة ووُصف بأنه كان لا يقرأ شيئاً إلا أنطبع في ذهنه.
رحلاته في طلب العلم

رحل إلى مكة سنة 785 هـ وأقام بها سنة ودرس خلالها الحديث على يد الشيخ عبد الله بن سليمان النشاوري، وقد قرأ عليه صحيح البخاري وسمع في مكة من الشيخ جمال الدين بن ظهيرة.
ورحل من مكة إلى مصر عائداً فداوم على دراسة الحديث الشريف على يد الحافظ عبد الرحيم العراقي، وتلقى الفقه الشافعي من الشيخ ابن الملقن والعز ابن جماعة وعليه درس الأصول وباقي العلوم الآلية كالمنهاج وجمع الجوامع وشرح المختصر والمطول.
ثم رحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحي.
أقام في فلسطين وتنقل في مدنها يسمع من علمائها ويتعلم منهم، ففي غزة سمع من أحمد بن محمد الخليلي وفي بيت المقدس سمع من شمس الدين القلقشندي، وفي الرملة سمع من أحمد بن محمد الأيكي، وفي الخليل سمع من صالح بن خليل بن سالم، وبالجملة فقد تلقى ابن حجر مختلف العلوم عن جماعة من العلماء كل واحد كان رأساً في فنه كالقراءات والحديث واللغة والفقه والأصول، ويذكر عن شيخه العز بن جماعة أنه قال: أقرأ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها.
مكانته بين أهل عصره

تفرد ابن حجر من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعة وقراءة وتصنيفاً وافتاءً حتى شهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد والعدو والصديق، حتى كان إطلاق لفظ "الحافظ" عليه كلمة إجماع بين العلماء، وقد رحل إليه الطلبة من الأقطار وطارت مؤلفاته في حياته وانتشرت في البلاد وتكاتب الملوك من قطر إلى قطر في شأنها وكانت له اليد الطولى في الشعر، وله ديوان شعر متوسط الحجم مطبوع. قال السخاوي: شهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث. وقال السيوطي: إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدم عساكر المحدثين، وعمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابي التعديل والتجريح. وقال عبد الحي العكبري: انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنازل وعلل الأحاديث وغير ذلك وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار.
الوظائف التي شغلها

شغل ابن حجر الكثير من الوظائف المهمة في الإدارة المملوكية المصرية، مما هيأ له الوقوف على مجريات السياسة المصرية ودخائلها آنذاك ومكّنه من الاتصال المباشر بالمصادر الأولى لأحداث عصره.
تولى ابن حجر الإفتاء واشتغل في دار العدل وكان قاضي قضاة الشافعية. وعني ابن حجر عناية فائقة بالتدريس واشتغل به ولم يكن يصرفه عنه شيء حتى أيام توليه القضاء والإفتاء وقد درّس في أشهر المدارس في العالم الإسلامي في عهده من مثل: المدرسة الشيخونية والمحمودية والحسنية والبيبرسية والفخرية والصلاحية والمؤيدية ومدرسة جمال الدين الاستادار في القاهرة (وجمال الدين هذا من أهالي البيرة قرب رام الله في فلسطين).
مؤلفاته

له مؤلفات وتصانيف كثيرة زادت على مئة وخمسين مصنفاً في مجموعة من العلوم المهمة، أشهرها وأهمها:


مخطوطة من كتاب "تسديد القوس مختصر مسند الفردوس" بخط مؤلفه ابن حجر العسقلاني
فتح الباري شرح صحيح البخاري (خمسة عشر مجلداً)، ومكث ابن حجر في تأليفه عشرين سنة، ولما أتم التأليف عمل مأدبة ودعا إليها أهل قلعة دمشق وكان يوماً عظيماً. ويعتبر هذا الكتاب أفضل شرح وأعمّه نفعاً لصحيح البخاري، وتأتي أهمية كتاب ابن حجر من كونه شرحاً لأصح ما ورد عن رسول الله محمد من حديث وقد تضمن ذلك الشرح ذكر أحاديث أخرى وعلق ابن حجر على أسانيدها وناقشها حتى كان بحق (ديوان السنة النبوية)، وكذلك لما تضمنه من فقه وأصول ولغة ومناقشة للمذاهب والآراء في شتى المعارف الإسلامية. وقد اشتهر هذا الكتاب في عهد صاحبه حتى قبل أن يتمه وبلغ شهرته أن الملك شاه رخ بن تيمور ملك الشرق بعث بكتاب إلى السلطان برسباي يطلب منه هدايا من جملتها (فتح الباري) فجهز له ابن حجر ثلاث مجلدات من أوائله.
الإصابة في تمييز الصحابة، وهو كتاب تراجم ترجم فيه ابن حجر للصحابة فكان من أهم المصادر في معرفة الصحابة.
تهذيب التهذيب، ومختصره كتاب تقريب التهذيب.
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ذكر فيه أحاديث لم يخرجها أصحاب المسانيد الثمانية.
الدراية في تخريج أحاديث الهداية ويعتبر من كتب التخريج البديعة وقد خرج فيه الأحاديث الواردة في كتاب الهداية وهو مرجع فقهي وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة.
إنباء الغمر بأنباء العمر، وهو مؤلف ضخم يقع في حوالي ألف صفحة كبيرة حيث يتبع نظام الحوليات والشهور والأيام في تدوين الحوادث. ثم يتبع حوادث كل سنة بأعيان الوفيات. وقد أفاض في ذكر ما يتعلق بمصر من هذه الحوادث، وهو يتناول الأحداث التي وقعت بين سنة (773 هـ - 850 هـ).
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وهو معجم ضمنه تراجم أعيان القرن الثامن الهجري من علماء وملوك وسلاطين وشعراء وغيرهم من مصر ومختلف بلاد الإسلام، ويعتبر هذا الكتاب من أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية في الفترة التي يتناولها.
رفع الإصر عن قضاة مصر، وهو معجم لقضاة مصر منذ الفتح الإسلامي حتى آخر القرن الثامن الهجري.
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وهو في علم مصطلح الحديث.
تسديد القوس مختصر مسند الفردوس.
بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
لسان الميزان.
تغليق التعليق في وصل معلقات البخاري.
ديوان ابن حجر، في الشعر.
غبطة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر.
القول المسدد في الذب عن المسند
تم نشره بواسطة: م - 12:02:00 م

أبي بكر الرازي




تمهيد: 
إذا ما قلبنا كتب الطب العربي الإسلامي القديمة، ثم استعرضنا أهم الأطباء العرب المسلمين،  وحاولنا أن نحدد أكثرهم تأثيرا على الطب العربي والغربي في عصر النهضة، فلا شك أن اسم أبي بكر الرازي سيبرز كواحد من أهم أسماء الأطباء العرب المسلمين الذين أغنوا التراث الإسلامي الطبي بأعمالهم، وخلفوا أثرا عميقا امتد حتى قرون عديدة بعد بداية النهضة الأوربية.

ولا شك أننا سنجد له كتبا كثيرة، مثل الحاوي والمنصوري ورسالة في الجدري والحصبة، والقولنج والنقرس وغيرها من الكتب التي تعتبر مراجع هامة في الطب العربي الإسلامي القديم، ومعالم أساسية في تاريخ الطب بشكل عام، وقد استمر تدريس الترجمات اللاتينية لهذه الكتب في جامعات الطب في أوربا، حتى بدايات العصر الحديث. 

ولا تزال المطابع ودور النشر تمدنا كل فترة بدراسات وتحقيقات جديدة، توضح لنا أهمية دور الرازي في تاريخ الطب وغيره من العلوم كالكيمياء، الفلسفة، ولا شك أن كتبه لازالت تمثل منبعا ثرأ  للدراسات والأبحاث في مجال تاريخ الطب.
ولكننا إذا وجهنا نظرنا إلى وجهة أخرى هي حياة الرازي، فسندهش ولا شك لقلة المعلومات المؤكدة التي وصلتنا حول حياة هذا لعلم الكبير من أعلام الطب الإسلامي. وإذا حاولنا التأكد من دقة هذه المعلومات وصحتها، فستصادفنا مصاعب كبيرة، وعقبات جمة، وسنلاحظ تناقضا في المعلومات واختلافا واضحا بين المؤرخين والمؤلفين القدامى.

ولم تقدم الدراسات الحديثة والكتب الحديثة في هذا المجال سوى إضافات قليلة، هي بحد ذاتها موضع جدل ونقاش.

وهكذا رأينا أن نستقصي أبعاد حياة الرازي، من خلال المصادر القديمة والمراجع الحديثة، لنناقش بعض معطياتها، وقد بذل، جهدنا في توضيح المعالم الرئيسية لحياة الرازي، ورغم ذلك لا تزال هناك نقاط هامة لم نتوصل فيها لرأي قاطع ، ولا بد من العثور على وثائق ومستندات جديدة إضافية للبت في هذه الأمور بشكل نهائي، وحتى ذلك الوقت أرجو أن أكون قد وفيت جزءا من حق هذا العالم والطبيب العظيم الذي خلف أثرا بالغا في الأطباء العرب المسلمين والغربيين الذين جاءوا بعده، والذي قدم لنا أعمالا تعتبر من معالم تاريخ الطب حتى في العصر الحديث .

 تحقيق حياة الرازى كما وردت 
في المصادر القديمة والمراجع الحديثة

اسمه: 
هو " أبو بكر محمد بن زكريا الرازي " 
ولا ترد الكنية " أبو بكر" في كل من كتاب تاريخ حكماء الإسلام (1) وطبقات الأطباء والحكماء (2) والوافي بالوفيات (3) والبداية والنهاية (4) والنجوم الزاهرة (5) ودول الإسلام (6) والعبر في خبر من غبر (7) وأما صاعد في طبقات الأمم فيوردها مرة ويغفلها أخرى (8)، وكذلك ابن العبري في تاريخ مختصر الدول يوردها مرة ويغفلها أخرى (9)، وأما ابن الحنبلي في شذرات الذهب، فلا يوردها في العنوان، ولكن في المتن نقلا عن ابن الأهدل (10).

ويذكر ثروة (11) في الصفحة الأولى من تحقيقه لكتاب " سر الأسرار اسما لجد الرازي هو " يحى " فيورد اسمه" أبو بكر محمد بن زكريا بن يحيى الرازي " وقد عدنا إلى مخطوطة كتاب الأسرار المصورة مرافقة لنفس الكتاب، فلم نجد ذكرا لهذا الاسم، ولكننا وجدناه في " رسالة البيروني في فهرسة كتب محمد بن زكريا الرازي حيث يقول: " ذكرت لازلت ذاكرا وبه مذكورا أنك تشوقت إلى الإحاطة بزمان محمد بن زكريا بن يحى الرازي " (13).

ويرد الاسم والكنية كما أثبتناهما في عدة كتب أهمها تأريخ الحكماء (13)، وعيون الأنباء (14)، ومرآة الجنان (15)، ووفيات الأعيان (16) ومفتاح السعادة (17). ويختلف الفهرست (18) والوافي بالوفيات (19) ومعجم البلدان (20) والآثار الباقية (31) وتحقيق ما للهند (22) بكلمة زكريا فقط، حيث وردت لديهم " زكريا " بالهمزة، أما باقي الاسم فهو مماثل لما أثبتنا هنا.

ولادته : 
ولد الرازي في مدينة الري إحدى أهم مدن إيران سابقا (23)- كما أجمعت المصادر التي أوردت مكان ولادته (24)-وتعود نسبته " الرازي " إلى تلك المدينة.

أما تاريخ ولادته فقد اختلف فيه- وهو غالبا سنة (251 هـ 865 م) 
فلم تذكر الكتب القديمة تاريخ ولادته ماعدا البيروني الذي ذكر (25) أنه ولد في غرة شعبان من سنة 251 هـ (865 م).

وأما الكتب الحديثة فقد أوردت تواريخ شتى: 
* فأورد بعضها التاريخ الذي ذكره البيروني مثل الأعلام (26) ومعجم المؤلفين (27) والموسوعة البريطانية المختصرة (28) والدومييلي (29 ) وتاريخ الحضارات العام (30) وأدب العلماء (31) وتراث الإسلام (32).

* وأورد بعضها تواريخ مختلفة قريبة أو بعيدة من التاريخ المذكور: 
فكتاب الكيمياء عند العرب (33) يورده في سنة 2 25 هـ (866 م). وتورده دائرة المعارف الإسلامية (34) وكذلك تاريخ الحضارة الإسلامية (31) وأبحاث عن تاريخ العلوم في الحضارة العربية الإسلامية (36)، وتراث الإسلام (37) والطب الإسلامي (38) تورده في سنة 0 25 هـ (864 م). ويورده غاريسون (39) في سنة 246 هـ (0 86 م). 
ويورده.D.S.B (4) والعلوم عند العرب (41) والخالدون العرب (42) وتاريخ العلم ودور العلماء العرب (43) والموجز في التراث العلمي ، العربي الإسلامي (44) في سنة 240 هـ (854 م).

ويورده باب الطب العربي (4)، وتورندايك (46)، وحضارة العرب (47) في سنة 236 هـ (0 85 م).

ويورده طب الرازي (48) في سنة 235 هـ (849 م).

ويورده فرات فائق في كتابه عن الرازي (49) في سنة 226 هـ (5 84 م).

وكما نلاحظ فهناك تواريخ متفاوتة بين سنة 226 هـ (840 م) وسنة 252 هـ (866 م).

ولم نستطع معرفة المصادر التي رجع إليها هؤلاء المؤلفون لتحديد ولادة الرازي بهذه التواريخ المختلفة.

حياته: 
المعلومات الموثقة عن حياة الرازي قليلة، وتذكر أكثر الكتب القديمة أنه كان يضرب العود ويغني في صغره (50) . ولا يورد الفهرست (51) ولا تأريخ حكماء الإسلام (52) هذه الفكرة. وقد اعتبر المؤرخون القدامى هذه الموهبة ميزة من ميزات الرازي، ومقدرة خاصة فذكرها أغلبهم في ترجمتهم للرازي، وأضاف بعضهم (53) أنه ترك الغناء عندما التحى وجهه قائلا: " كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف ".

وأما المحدثون فقد ذكرها بعضهم كما في الأعلام (54) ومعجم المؤلفين (55)، وأهملها بعضهم وخاصة المؤلفون الغربيون (56).

ويضيف كتاب تأريخ حكماء الإسلام (57) أنه كان صائغا، ولا يرد هذا عند المؤلفين الحديثين عدا معجم المؤلفين (58) ويذكر ابن جلجل في طبقات الأطباء والحكماء أنه كان أديبا (59)، وأما عيون الأنباء فيقول إنه كان صيرفيا (60) كما يؤكد ما ورد لدى ابن جلجل فيذكر أنه كان يقول الشعر ويهتم بالأدب (61)، ولم يصلنا من آثاره الأدبية والشعرية سوى البيتين اللذين أوردهما ابن أبي أصيبعه (61) وهما:

لعمري ، ما أدري ، وقد آذن البلى   بعاجل ترحال ، إلى أين ترحالي؟ 
وأيـن محـل الروح بعد خروجـــــه   من الهيكل المنحل، والجسد البالي؟ 

اشتغاله بالكيمياء: 
تقول الكتب، القديمة إن الرازي مارس الكيمياء أولا ، وألف فيها- ويرد هذا في الفهرست (63) وتاريخ حكماء الإسلام (63) وعيون الأنباء (64)- ثم انصرف- بعد ذلك- لدراسة الطب كما يرد في طبقات الأطباء والحكماء (65) وطبقات الأمم (66) وتأريخ حكماء الإسلام (67) وعيون الأنباء (68) وغيرها (69).

ولكننا نعتقد أن اشتغال الرازي في مجال الكيمياء كان خلال مرحلتين من مراحل حياته:

فالمرحلة الأولى: كانت في بداية حياته، حيث اشتغل بالكيمياء وألف في مجالها، وربما أثرت المواد الكيماوية وأبخرتها على عينيه في هذه الفترة ،  حيث  يقول البيهقي (70): " فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير) ويضيف أنه ذهب إلى طبيب لمعالجته، ولا شك أن هذا كان قبل أن يدرس الطب، أي في مقتبل حياته. وقد يصح أن الرازي أنصرف بعدها إلى دراساته الأخرى في الطب والفلسفة وغيرها من العلوم، كما ورد لدى المؤلفين. 

وتأتي بعد ذلك المرحلة الثانية التي عاود فيها الرازي اشتغاله بالكيمياء، وربما طغى الجانب النظري أي جانب الدراسة والتأليف على الجانب العملي في هذه المرحلة التي نعتقد أنها كانت في أواخر حياته. ونستدل على معاودة الرازي للاشتغال في مجال الكيمياء في أواخر حياته مما جاء في مقدمة كتابي الأسرار، وسر الأسرار(71) من أنه ألف هذين الكتابين بناء على طلب أحد تلاميذه من أهل بخاري ، وهو عالم بالرياضيات والعلوم الطبيعية والمنطقية، ولا شك أن هذا كان بعد شهرته وتتلمذ كثير من طالبي العلم على يديه ، أي بعد مرور مدة طويلة على المرحلة الأولى. وترد في نفس المقدمة إشارة تدل على تقدم الرازي في السن حيث يقول (72): "ولولا علمي بانصراف أيامي دون أجلي، ومخافتي من فوت ما آمله وأرومه لم أكن بالذي أجمع له هذا كله في كتاب واحد بهذا الاستقصاء ".

ومما يؤكد- لدينا الاعتقاد بأنه عاود التأليف في الكيمياء في مرحلة متأخرة من عمره، القصة التي ذكرها بعض المؤلفين (73)، والتي تناسب حصول العمى لدى الرازي في أواخر عمره إلى أنه ألف كتابا في الكيمياء وأهداه إلى أحد ملوك السامانيين، فكافأه عليه، ولما طالبه بتحقيق ما ورد فيه، وتهرب الرازي من ذلك، أمر الملك بضربه بالكتاب الذي ألفه على رأسه عقوبة له، فسبب له ذلك العمى.

ويؤكده أيضا ما ورد في عيون الأنباء (74) من أن أحد الوزراء سأله أن يعرفه ما حصل له من معرفة الكيمياء، فلما لم يذكر له الرازي شيئا من ذلك، وأنكر معرفته خنقه سرا بوتر.

ورغم أننا لن نسلم بصحة هاتين القصتين دون شك، لكنهما توحيان لنا بفكرة وهي أن الرازي عاود الاشتغال بالكيمياء،- وخاصة ما يتعلق منها بالتأليف- في سن متقدمة.

ولعل ممارسة الرازي العملية للكيمياء كانت في المرحلة الأولى من عمره، كما ذكرت المصادر القديمة وتأليفه في مجالها كان في المرحلة الثانية، وفي سن متقدمة نسبيا، كما استنتجنا من نفس هذه المصادر ومن كتب الرازي في الكيمياء.

 ممارسته للطب: 
تذكر المصادر القديمة أن ممارسة الرازي للطب كانت في سن متقدمة، حتى إن عددا من هذه الكتب مثل وفيات الأعيان (75) وفوات، الوفيات (76) وغيرهما (77)، تذكر أنه مارس الطب بعد سن الأربعين.

ويرى أحد الباحثين المحدثين- وهو الدكتور ألبير زكي اسكندر- عكس هذا الرأي، حيث يعتقد أن الرازي بدأ اشتغاله بالطب في  حداثته (78)، ويستخلص دلائله على ذلك من مخطوطات وكتب الرازي، ومن المصادر الأخرى. ولعل كثرة عدد كتب الرازي المؤلفة في هذا المجال وتنوعها، يؤيد رأي الدكتور إسكندر المذكور ويتوافق معه.

وقد مارس طبه مدة طويلة في المشافي ، وينعته ابن جلجل (79) بأنه " طبيب مارستاني)، وقد احتل الرازي مناصب هامة في المشافي التي عمل فيها، فتولى إدارة بيمارستان الري (80) كما تذكر عدة مصادر الرازى مثل طبقات الأمم (81) وطبقات  الأطباء والحكماء (82) وتاريخ الحكماء (83) وعيون الأنباء (84)، وغيرها (8).

وعندما قصد بغداد وأقام فيها أدار أحد بيمارستاناتها ، كما تذكر نفس المصادر، وأما البيمارستان الذي أداره في بغداد فليس معروفا بشكل مؤكد.

وتذكره المصادر القديمة على أنها بيمارستان بغداد " دون تحديد اسم له، وتنقل عنها بعض الكتب الحديثة مثل تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (86) والكيمياء عند العرب (87) وثورندايك (88)، والطب الإ سلامي (89).

ويخالف ذلك  ابن أبي أصيبعه (90) حيث ينقل عن " أبي سعيد زاهد العلماء في كتابه في البيمارستانات أن الرازي دخل البيمارستان العضدي فأعجبه ما شاهده فيه ودفعه ذلك إلى تعلم الطب، وثم ينقل عن بعضهم " أن الرازي كان في جملة من اجتمع على بناء هذا البيمارستان العضدي ، ثم ينقل عن أبي تراب البغدادي الكاتب أن عضد الدولة عندما أسس بيمارستانه انتقى مائة من أفضل أطباء بغداد ثم خمسين منهم ثم عشرة، فكان الرازي أحدهم، ثم ميز فيما بينهم فبان له أن الرازي أفضلهم فجعله ساعور البيمارستان العضدي . ولكن ابن أبي أصيبعة يدرس هذه الأقوال من الناحية التاريخية ويمحصها فيتبين له خطؤها، فيقول (91) " والذي صح عندي أن الرازي كان أقدم زمانا من عضد الدولة بن بويه ،  وإنما كان تردده إلى البيمارستان من قبل أن يجدده عضد الدولة.

وقد نقل عدد من الكتب الحديثة عن كتاب ابن أبي أصيبعة دون تدقيق فيه، ولم ينتبهوا للتصحيح الذي أورده، فذكرت هذه الكتب أن الرازي تولى رئاسة البيمارستان العضدي، كما ذكرت أنه ساهم في تأسيسه، وأن عضد الدولة استشاره في المكان الذي يجب أن يقام فيه هذا البيمارستان، وقد وردت هذه الرواية في كل من الأعلام (92) ومعجم المؤلفين (93) ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب (94) والمرجع في تاريخ العلوم عند العرب (9)، والموجز في التراث العلمي العربي الإسلامي (96) والعلوم عند العرب (97) والطب العربي (98) وتاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه (99) وقراءات في تاريخ العلوم عند العرب (100) وطب الرازي (101).

وتنقل كتب أخرى هذه الروايات مع التصحيح الذي أورده ابن أبي أصيبعة، وممن أورد هذا التصحيح السويسي في أدب العلماء (103) وفائق في كتابه عن الرازي  وعلوجي في تاريخ الطب العراقي (104).

ويضيف بعضهم رأيه حول البيمارستان الذي أداره الرازي: فيرى الدومييلي (105) وفروخ (106) وإلغود (107) أنه تولى إدارة البيمارستان المقتدري الذي أسس سنة 306 هـ (918 م) بأمر الخليفة المقتدر. ويرى فائق في كتابه عن الرازي (108) أنه البيمارستان المقتدري أو البيمارستان الصاعدي الذي بني في عهد الخليفة المعتضد وأما التوانسي (109) فيقول: " إن الخليفة المعتضد هو الذي استشاره في بناء مستشفى وجعله رئيسا لأطبائه ".

أما الدكتور البير زكي إسكندر فيعتقد أن البيمارستان المقصود هو البيمارستان المعتضدي الجديد حيث يقول (110) " ورد ذكر البيمارستان المعتضدي في الداء الخفي ولكننا رجعنا إلى نسخة مصورة من المخطوطة المذكورة فوجدنا فيها ذكرا للخليفة المعتضد لا إلى البيمارستان المعتضدي حيث يقول (111) " ورأيت امرأة واحدة لها لحية وافرة من نساء الأكراد جيء بها إلى المعتضد أعجوية " وربما ورد في النسخة التي رجع إليها الدكتور إسكندر ما ذكره في بحثه المذكور، لكننا لم نعثر على ذكر للبيمإرستان المعتضدي بين بيمارستانات بغداد، وإنما هناك بيمارستان لبدر غلام المعتضد ، وقد يكون هذا هو البيمارستان المقصود. وليس بين أيدينا حتى الآن ما يؤكد لنا بشكل حاسم ما هو اسم البيمارستان الذي أداره الرازي في بغداد.

وسواء كان البيمارستان المقصود هو البيمارستان المعتضدي الجديد كما يعتقد الدكتور إسكندر أو البيمارستان المقتدري كما يذ كر الدومييلي والتوانسي أو البيمارستان الصاعدي كما يذكر فرات أو البيمارستان العضدي قبل تجديده كما يقول ابن أبي أصيبعة، فقد بقى الرازي في إدارته فترة طويلة كما يذكر القفطي (113) .

لقد كان قدوم الرازي إلى بغداد وزيارته لها حوالي سنة 285 هـ (898 م) حيث يقول ابن أبي أصيبعة (113): " وكان قدومه إلى بغداد وله من العمر نيف وثلاثون سنة، فإذا تذكرنا تاريخ ولادته المرجح فيكون قدومه إلى بغداد حوالي سنة 285 هـ كما ذكرنا آنفا. ويؤيد ذلك أيضا ما يرد لدى ابن جلجل (114) والقفطي (115) حيث يقول القفطي نقلا عن ابن جلجل " كان الرازي في دولة المكتفي " ويضيف هو قائلا " قلت : وفي بعض زمن المقتدر. وحيث أن الخلافتين كانتا بين 289- 296 هـ (902- 909 م) فلا يعقل أن يكون المقصود بذلك هو فترة حياة الرازي- الذي توفي حوالي 313 هـ (925 م)- كلها، وإنما المقصود بها أن فترة إقامة الرازي ببغداد كانت في ظل حكم هذين الخليفتين. 

أما كم بقي الرازي في بغداد تماما، فهذا ما لا نعرفه على وجه الدقة والأرجح أنه زارها أكثر من مره ، فقد كان كثير التنقل بين البلدان، كما يرد في الفهرست (116) وعيون الأنباء (117) وخاصة بين مدن العجم المختلفة إذ كان له فيها- كما يذكران- صداقات وعلاقات جيدة مع حكامها مثل منصور بن إسحق (الذي أهداه كتاب الطب المنصوري) وعلي بن ويهسوذان الذي أهداه الطب الملوكي).

وقد كان الرازي موجودا في بغداد في أواخر أيامه أيضا كما يذكر الحموي (118) وقد سافر منها إلى الري سنة 311 هـ (923 م) حيث توفى في مسقط رأسه بعد حوالي سنتين. وقد أخطأ بعض الدارسين الحديثين مثل الزركلي (119) وكحالة (120) والسويسي (121) حين قالوا إنه توفي في بغداد، وإنما توفي- كما يقول الحموي- " بالري بعد منصرفه من بغداد سنة 311 هـ ".

وفاته: 
توفي الرازي في الري حوالي سنة 313 هـ (925 م)، وتقول رواية يوردها ابن أبي أصيبعة (132) إنه قتل خنقا، ولم يمت ميتة عادية.

وقد اختلف أقوال المؤرخين القدامى وكذلك المحدثين في تاريخ وفاة الرازي، وقد وردت عدة آراء في هذا المجال:

ا- المصادر القديمة: 
أ- لم يذكر بعضها تاريخ وفاته مثل الفهرست (123) وتاريخ حكماء الإسلام (124) وأما طبقات الأطباء والحكماء (12) فاكتفى بالقول إنه كان في دولة المكتفي (289- 295 هـ) (2 0 9- 8 0 9 م) ولم يحدد قصده بذلك وفاته كما ذكرنا آنفا. وأما معجم البلدان (126) فيقول: " مات بالري بعد منصرفه من بغداد سنة 311 هـ عن ابن شيراز " والتاريخ الذي يورده معجم البلدان هو تاريخ مغادرة الرازي بغداد لا تاربخ وفاته، وربما قاد هذا الالتباس بعض المؤرخين القدامى والمحدثين إلى الخطأ، حيث حددوا وقوع وفاة الرازي في السنة المذكورة، كما قد يكون هذا سبب خطأ- غيرهم في تحديد مكان وفاة الرازي كما ذكرنا سابقا.

ب- أورد بعضهم عدة تواريخ لوفاته: فتاريخ الحكماء (127) يورد ثلاثة تواريخ: 
 · 320 هـ نقلا عن صاعد. 
* 364 هـ نقلا عن ابن شيران في تاريخه. 
* نقلا عن ابن جلجل " وكان في دولة المكتفي " (289- 295 هـ) 
وأضاف لها " قلت: وفي بعض زمن المقتدر " (295- 296 هـ)

(ويدل هذا كما نعتقد وذكرنا سابقا على وجوده في بغداد لا على فترة حياته .

ويذكر عيون الأنباء (128) أيضا ثلاثة تواريخ: 
* نقلا عن أبي الخير الحسن بن سوار بن بابا: نيف وتسعين ومائتين أو ثلثمائة وكسر. 
 · نقلا عن خط بلى مظفر بن معرف: 320 هـ. 
* نقلا عن عبيد الله بن جبرائيل، عاش الرازي حتى لحقه ابن العميد (129) أستاذ الصاحب بن عباد. 
ج - أورد بعضها تاريخا واحدا معينا: فمنها ما ذكر أنه توفي سنة 320 هـ (932 م): مثل طبقات الأمم (130) وتاريخ مختصر الدول (131) ومفتاح السعادة (132).

ومنها ما ذكر أنه توفي سنة 313 هـ (925 م): وهذه رواية البيروني (133) في فهرسة كتب الرازي.

ومنها ما ذكر أنه توفي سنة 311 هـ (923 م): مثل وفيات الأعيان (134) وفوات الوفيات (13) والبداية والنهاية (136) والنجوم الزاهرة (37 1) ومرآة الحنان (38 1) وغيرها (39 1). وربما كان سبب إيرادها هذا التاريخ ما ذكرناه من التباس قول الحموي (الذي يعتبر مؤرخا ثقة) وقد مر ذكر ذلك سابقا.

وهكذا تتواتر لدى المؤرخين القدامى ثلاثة تواريخ لوفاة الرازي وهي/ 1 31 هـ/ و/313 هـ/ و/ 320 هـ/، فإذا اعتبرنا تاريخ 311 هـ نتيجة خطأ بفهم قول الحموي على غير مقصده كما ذكرنا، بقي لدينا تاريخان مرجحان لوفاته  313 هـ وهو التاربخ الذي أخذنا به نقلا عن البيروني الذي يعتر قريبا من عصر الرازي ومؤرخا موثوقا في الوقت نفسه، والآخر هو سنة 320 هـ وقد أورده المؤرخون الذين ذكرناهم.

2- المراجع الحديثة: 
أ- أورد بعضها أكثر من تاريخ واحد لوفاته: فدائرة المعارف الإسلامية (140) مثلا تذكر تاريخين هما سنة 313 هـ (925 م) أو 323 هـ (934 م).

وD.S.B. (141) تذكر تاريخين هما 311 هـ (923 م) أو 324 هـ (935 م). 
والموسوعة البريطانية المختصرة (143) تذكر تاريخين هما 1 31 هـ (923 م) أو 320 هـ (932 م).

والأعلام ( 143) يقول إنه توفي في نيف و 0 29 أو 320 هـ (932 م) ويرجع أنه توفي في 1 31 هـ (23 9 م)

وأدب العلماء (144) يذكر أنه توفي في نيف و 0 29 هـ أو 0 30 وكسر هـ أو 320 هـ (932 م) أو 313 هـ (925 م).

وسارتون (145) يذكر أنه توفي في سنة 1 31 هـ أو 312 هـ (923- 924 م). وكذلك ثورندايك (146) فإنه يذكر التاريخين ، نفسيهما . 
وطب الرازي (147) ينقل عدة تواريخ هي 320 هـ (932 م) و 1 31 هـ (23 9 م) و 364 هـ (974 م)

ب- أورد بعضها تاريخا واحدا لوفاته: فقد ذكر بعضها أنه توفي سنة 1 31 هـ (923 م) مثل معجم المؤلفين (148) وتاريخ الطب العراقي (149) ومختصر تاريخ الطب لسينغر وأندروود (150) ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب (151) ، والطب الإسلامي لأولمان (152) .

وذكرت أخرى أنه توفى. سنة)313 هـ (925 م) مثل تاريخ الحضارات العام (153) وفرات فائق في كتابه عن (154) والمرجع في تاريخ العلوم عند العرب (155) وأبحاث عن تاريخ العلوم الطبيعية فى الحضارات العربية الإسلامية (156) وتراث الإسلام (157) وموسوعة كامبردج عن تاريخ الإسلام (158).

وذكر غيرها أنه توفي في سنة 320 هـ (932 م) مثل الطب العربي (159) والعلوم عند العرب (160) والخالدون العرب (161)، والموجز في التراث العلمي العربي الإسلامي (162) وغاريسون (163) وتاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (164) وحضارة العرب (165) ورسائل فلسفية للرازي (166). 
وذكر الدوميلي (167) أنه توفي سنة 4 31 هـ (26 أكتوبر 926 م).

كما ذكر فروخ في تاريخ العلوم عند العرب (168) أنه توفي سنة 321 هـ (924 م). 
وأورد عبد الغني في الكيمياء عند العرب (169) تاريخا آخر هو سنة 333 هـ (944 م).

وإذا قارنا بين التواريخ الواردة لدى الدارسين الحديثين، وتلك التي لدى المؤرخين القدامى وجدنا إنها هي نفسها التي وردت لدى الأخيرين، مع وجود استثناءات ، حيث أننا لم نعرف مصدرا للإضافات التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية وD.S.B. وحددت تاريخ وفاته ب 323 هـ (934 م). وكذلك مصدر الإضافات لدى سارتون وثورندايك والتي حددت تاريخ وفاته ب 312 هـ (924 م). ولا مصدر الدومييلي وفروخ اللذين حددا وفاته بنسبة 314 هـ و 321 هـ على ا لتوا لي.

وأما التاريخ الذي أورده عبد الغني في الكيمياء عند العرب فهو بعيد جدا عن بقية التواريخ حيث يختلف عن أي تاريخ ورد لدى غيره بشكل كبير.

الصفات الشخصية للرازى: 
لم تصلنا معلومات وافية عن شخصية الرازي ووصفه، ولكن ينقل لنا ابن النديم وصفه في الفهرست نقلا عن شيخ من الري يقول (170) إنه " شيخ كبير الرأس مسقطه ".

وعلى ما يبدو فقد كان مرسل الشارب واللحية ، حيث ذكر ابن خلكان والصفدي أنه كان يضرب العود ويغني ، ثم ترك ذلك قائلا. (171) " كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف .

حصلت لدى الرازي إصابة في عينه في فترة شبابه، إذ يرد في تأريخ حكماء الإسلام أنه أصيب بالرمد لاشتغاله بالمواد الكيماوية (172) ثم اشتغل بعلم الإكسير، فرمدت عيناه بسبب أبخرة العقاقير المستعملة في الإكسير، وربما كانت إصابته نوعا من التهاب الملتحمة التحسسي دفعه لترك الكيمياء في هذه الفترة. والأرجح أن هذه الشكاية مستقلة عن الإصابة التي سببت فقد بصره في أواخر عمره، ويقول ابن النديم في ذلك (173) " وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله للباقلى ، وعمي في آخر عمره "، ويحدد ابن جلجل الإصابة بأنها ماء نزل في عينيه (ما يسمى الساد Cataract حاليا) حيث يقول (174) وعمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه ".

ويبدو أن الرازي قد عاق من هاتين المشكلتين المختلفتين، وربما ساهمت أولاهما في إحداث الأخيرة، ونحن طبعا نخالف ابن النديم في سبب إصابة عينه بالعمى، وربما تكون وجهة نظر البيروني في سبب عماه أصح، حيث يعتقد أنه نتج عن كثرة القراءة، والمطالعة والدرس، ويذكر الرازي نفسه في كتابه سيرة الفيلسوف ما يثبت هذه الفكرة حيث يقول (175) " وبقيت في عمل الجامع الكبير خمس عشرة سنة، أعمل في الليل والنهار حتى ضعف بصري، وحدث علي فسخ في عضل يدي ، يمنعاني في وقتي هذا من القراءة والكتابة، وأنا على حالي لا أدعهما بمقدار جهدي ، وأستعين دائما بمن يقرأ ويكتب لي ".

كانت الحالة الاجتماعية للرازي جيدة ، ويبدو أنه كان على درجة جيدة من اليسر والغنى ، ويتضح لنا ذلك مما ذكره في كتابه سيرة الفيلسوف (176) من انتقاد بعض الأشخاص له لأخذه بأسباب العيش والرفاهية وزعموا أننا حائدون عن سيرة الفلاسفة، ولا سيما عن سيرة إمامنا سقراط، المأثور عنه أنه كان لا يغشى الملوك ويستخف بهم إن هم غشوه، ولا يأكل لذيذ الطعام ، ولا يلبس فاخر الثياب، ولا يبني ولا يقتني ولا ينسل ، ولا يأكل لحما ولا يشرب خمرا، ولا يشهد لهوا... وأما نحن فعلى خلاف ذلك ". ويؤكده ما ورد في الفهرست عن كرمه وإنفاقه على الفقراء إذ يقول إن الرازي كان (177) " حسن  الرأفة بالفقراء الأعلاء ،  حتى  كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهما كما يؤكده ما ورد في عيون الأنباء (178) من ، وجود جوار تطبخ الأطعمة عند الرازي، وكذلك قول إحدى هاته الجواري (179) " بل إننا كنا نجد القدور التي عند الرازي جميعا ذهبا وفضة ".

ويؤكد ذلك أيضا القصة التي أوردها البيهقي في تأريخ حكماء الإسلام عن رمد الرازي من أبخرة الإكسير، ثم ذهابه إلى الطبيب الذي طلب منه خمسمائة دينار ثم يقول (179)، فدفع ابن زكريا الدنانير إلى الطبيب،.

ولكن هناك قصة تنافي هذه الفكرة ، وقد أوردها أبن العبري، في تاريخ مختصر الدول نقلا عن أبن الكعي ، حيث يقول (180) وتدعي الكيمياء وقد حبستك زوجتك على عشرة دراهم، فلو ملكت يوما قدر مهرها، ما رافعتك إلى المحاكم، فحضرت معها وحلفت لها عليه ، ولكن ابن العبري نفسه يستبعد هذا القول ويقول إنه مناف لما عرف عنه من حسن رأفته، بالفقراء.

ورغم غناه، فقد كان منهجه الاعتدال في الحياة ، فهو يتحدث عن الطبيب موضحا أنه ينبغي أن يكون ( ا 18) " لا مقبلا على الدنيا كلية، ولا معرضا عن الآخرة كلية ويتضح ذلك أيضا في موقفه من الحياة التي يطلب من الفيلسوف اتباعها في كتابه سيرة الفيلسوف حيث يضع لها حدا أدق وحدا أعلى من التنعم والتقشف ثم يقول (182) " فأما مجاوزة الحد الأسفل فخروج من الفلسفة إلى مثل ما ذكرنا من أحوال الهند والمنانية والرهبان والنساك، وهو خروج عن السيرة العادلة، وإسخاط ، الله تعالى بإيلام النفوس باطلا، واستحقاق للإخراج عن اسم الفلسفة، وكذلك الحالة في مجاوزة الحد الأعلى".

وقد أكد الراي على ضرورة استغناء الفلاسفة والعلماء عن الاحتياج إلى سواهم كما يذكر ابن النديم (183) " فيستغني بذلك عن جميع الناس "، وابن أبي أصيبعة (184) " لأنه استغنى عن التكسب من أوساخ الناس ويلجأ في سبيل ذلك إلى الكسب الحلال من عمله، ويرد على من ينتقدونه في ذلك في كتاب سيرة الفيلسوف حيث يقول (185)، إن ناسا من أهل النظر والتمييز والتحصيل لما رأونا نداخل الناس، ونتصرف في وجه من المعاش عوبونا واستنقصونا.. ".

 تميز الرازي بالذكاء والفطنة والحذق كما وصفه المؤرخون (186)، وميزوه بحدة الخاطر (187). وأما ما أجمع عليه جل المؤرخين (188) فهو مواظبته على علاج مرضاه واجتهاده في ذلك إضافة إلى مهارته الفائقة في الطب، واطلاعه الواسع والعميق على كتبه. وقد أورد كثير منهم أقوالا تدلنا على مدى تبحره في العلم (189) وسعة اطلاعه على مؤلفات من سبقه من العلماء سواء منهم علماء اليونان أو العرب وحتى علماء الهنود (190)، وكان الرازي يدقق في قراءاته، حيث يذكر ابن خلكان (191) أنه قرأ كتب الطب والفلسفة " قراءة رجل متعقب على مؤلفيها. كما نجده يحقق في نسبة أحد الكتب إلى مؤلفه، لأن ورود بعض الكلمات في محتواه جعلته يشك في نسبته له (192). ويؤيد ذلك ما عرفناه عن الرازي من دأبه على المطالعة والدرس والكتابة ، وقد وردت إشارات عدة إلى ذلك في مواضع من كتبه، فهو يذكر في بعض كتبه أنه كان يساهر أحد  فضلاء ء الرجال على قراءة كتب جالينوس وأبقراط. والفقرة التالية المقتطفة من كتاب سيرة الفيلسوف (193) تدلنا على كثرة مطالعته ودأبه في الدراسة والكتابة " حتى أني متى اتفق لي كتاب لم أقرأه أو رجل لم ألقه، لم ألتفت إلى شغل البتة- ولو كان في ذلك علي عظيم ضرر- دون أن آتي على الكتاب ، وأعرف ما عند الرجل. وإنه بلغ من صبري واجتهادي أني كتبت بمثل خط التعاويذ في عام واحد أكثر من عشرين ألف ورقة.

ويبدو لنا أن الرازي كان مطلعا على اللغة اليونانية، بعكس ما ذكر في هوامش تحقيق رسالة في الجدري والحصبة (194): والنص التالي المنقول عن عيون الأنباء (195)، يدل على معرفة الرازي باللغة اليونانية: " وقال أبو بكر ابن زكريا في كتاب الحاوي يصح في اللغة اليونانية أن ينطق بالجيم غينا وكافا، فيقال مثلا جالينوس وغالينوس وكالينوس ، وكل، ذلك جائز، وقد نجعل الألف واللام لاما شديدة فيكون ذلك أصح في اليونانية.. ويدلنا هذا النص على أن الرازي عرف اللغة اليونانية كما يؤكد هذه المعرفة ما نراه من سعة اطلاعه على الكتب اليونانية سواء منها الطبية أو الفلسفة ونقله عنها، ويؤيده ما ورد في الفهرست (196) وتاريخ الحكماء (197) من أنه ألف كتابا يذكر فيه كتب جالينوس التي لم ترد في فهارسه " كتاب في استدراك ما بقي من كتب جالينوس مما لم يذكره حنين ولا جالينوس في فهرسته ".

وبالنتيجة فقد أدت هذه الصفات الشخصية والميزات التي اختص بها الرازي إلى أن يحتل مكانة مرموقة بين أطباء وعلماء عصره ، فلا عجب أن يحاط في البلدان والبلاطات المختلفة بالتكريم والرعاية ، كما يذكر كل من الفهرست (198)، وعيون الأنباء (199)، ولا غرابة أن تكون له منزلة رفيعة كما يقول ابن أبي أصيبعة ( 200) " له المنزلة الجليلة بالري وسائر بلاد الجبل وأن يصفه أحد مرضاه بأنه (201) أوحد الطب في عصره .

لقد كانت مهارة الرازي وسعة علمه، ومدى الجهود التي كان يبذلها في مداواة مرضاه وعلاجهم، والدأب الذي تميز به ، إضافة إلى صفاته الشخصية الحميدة، أكبر مؤهل له ليحصل على لقبه الذي لقب به آنذاك على أنه (202) " طبيب المسلمين غير مدافع فيه " وأن نضعه نحن في صف أهم الأطباء لعصره والعصور التالية له.

عائلته: 
لم تصلنا ملومات خاصة بعائلة الرازي ، شأن باقي تفاصيل حياته ، وكل ما نعرفه معلومات غير مباشرة مستقاة من كلمات متفرقة ، وردت عرضا هنا وهناك في كتب التراجم القديمة.

ويذكر ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء ، أن عائلته وأهله كانوا يسكنون منطقة الري، كما يذكر أنه له أخا " لكونها موطنه، وموطن أهله وأخيه " (203)، كما تدلنا جملة أخرى وردت لدى ابن أبي أصيبعة أن له أختا على الأقل حيث يقول (204): " فطلبه من أخت أبي بكر" وربما كانت هذه الأخت أصغر من أبي بكر لأنها توفيت بعده.

أما والداه، فمن المحتمل أنهما توفيا باكرا، إذ لم يرد لهما ذكر في أي من المصادر. 
أما عن زواجه ، فمن المرجح أن الرازي قد تزوج، حيث يذكر ابن العبري قصة عنه يرد فيها (205)! تدعي الكيمياء وقد حبستك زوجتك على عشرة دراهم "، ونستدل من نفس القصة على احتمال وجود خلافات بينهما، قد تكون أدن بهما إلى المحاكم وربما إلى الطلاق.

وهكذا نستنتج أن عائلة الرازي كانت تسكن الري، وتتألف هذه العائلة من أخ وأخت، إضافة إلى أبي بكر نفسه، وقد تزوج أبو بكر الرازي، ولكن يدعونا ما ذكره ابن أبي أصيبعة (204) من بقاء مسوداته عند أخته إلى الظن أنه لم يخلف أولادا وربما انفصل عن زوجته أو توفيت زوجته قبله، كما أن أخته كانت تسكن معه، بحيث بقيت هذه المسودات عند أخته .

أساتذته: 
لا نعرف الكثير عن أساتذة الرازي ، ويبدو أنه اعتمد في الطب على دراساته الخاصة، ومطالعاته للكتب الطبية التي سبقته.

وتوجد روية تقول إنه درس الطب على يد علي بن سهل بن ربن الطبري، وقد وردت هذه الفكرة لدى ابن أبي أصيبعة في ترجمته لكل من حياة الطبري (206) والرازي (207).

ولكننا نشك مع محقق كتاب جهاز مقالة لناصر خسرو- في أخذه الطب عن علي بن ربن الطبري هذا الذي اشتهر في زمن المعتصم (توفي سنة 228 هـ) والمتوكل (توفي سنة 247 هـ)، وقد توفي الطبري نفسه سنة 247 هـ (1 86 م) (8 20)، فلا يعقل أن يكون الرازي الذي ولد وفقا لأرجح الروايات سنة 1 25 هـ (5 86 م) قد درس عليه الطب، خاصة وأن الكتب القديمة تذكر أنه درس الطب في عمر متقدم.

ونؤكد أن هذه الرواية لم تظهر قبل اسم ابن أبي أصيبعة، وهذا مؤثر يدل على ضعفه في الرواية، إذ لم يوردها ابن النديم في الفهرست ، سواء في ترجمته لحياة الطبري (209) أو الرازي (210). كما أنها تجب عن كتب هامة أخرى مثل طبقات الأمم (1!3) وطبقات الأطباء والحكماء (212) وتاريخ الحكماء (313)، وتاريخ حكماء  الإسلام (214)، وكتب أخرى تالية (215).

إذن فأول ، ما ظهرت هذه الرواية لدى ابن أبي أصيبعة، وأخذها عنه بعض المؤرخين المتأخرين التالين له مثل ابن خلكان (216) و الصفدي (217).

ويذكر أر نولد (318) أنه درس في بغداد " على يد الأستاذ حنين بن إسحق ، الذي كان طبيبا متمرسا في الحكمة اليونانية والفارسية والهندية. لا ولم نر هذه الفكرة في أي من المصادر المتوفرة لدينا ولا نعرف من أين جاءت هذه الرواية، خاصة وأن حنين بن إسحق قد توفي سنة 264 هـ (878 م)، وكان عمر الرازي حينذاك 13 سنة، وهو في الري ، في حين قدم إلى بغداد وعمره أكثر من ثلاثين سنة .

ويرد ذكر جابر بن حيان في كتاب الأسرار للرازي، فيقول عنه (219): " وأستاذنا جابر بن حيان.. " وينقل ابن النديم هذه الملاحظة فيقول (220) " والرازي يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة: قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان... " وكن بعض الدارسين الحديثين مثل كراوس وبينين (221) يعتقدون أن الرازي لم يكن مطلعا على مؤلفات جابر بن حيان في الكيمياء ، ولم يكن من تلاميذه فعلا، وأسلوبه مغاير تماما لأسلوب جابر بن حيان في الكيمياء. 

ويذكر  (فهرست (222) أن الرازي تتلمذ في الفلسفة على البلخي ، ثم يتحدث عن هذا الأخير فيقول " هذا كان من أهل بلخ يطوف البلاد ويجوب الأرض، حسن المعرفة بالفلسفة والعلوم القديمة، وقد يقال إن الرازي ادعى في كتبه ذلك، ورأيت بخطه شيئا كثيرا في علوم كثيرة، مسودات ودساتير لم يخرج منها إلى الناس شيء تام، وقيل إن بخراسان كتبه موجوده وكان في زمان الرازي .

وقد ذكر الفهرست أيضا (322) وجود كاتب يشابه منهجه في الفلسفة منهج الرازي، هو شهيد بن الحسن البلخي المكنى أبا الحسن، ويقول عنه الحموي في معجم البلدان (223) إنه كان أديبا شاعرا متكلما، ويذكر ابن النديم " أن بينهما مناظرات فلسفية "، ولا ندري هل كان أبو الحسن هذا زميلا للرازي في درساة الفلسفة عن البلخي ، أو أنهما اتفقا لا النظرة الفلسفية، والتقيا في مناظراتهما ومكاتباتهما فيما بعد فقط؟

مناظراته: 
لقد حاور الرازي كثيرا من علماء عصره ، ومحص بعض الآراء السابقة له وطرح آراء جريئة في مختلف مجالات الفلسفة والإلهيات، وقد أثارت أفكاره جدلا كبيرا، بدأ في عصره واستمر في العصور التالية.

وقد شملت مناظراته عددا من علوم عصره، بما فيها الطب والكيمياء والفلسفة والعلوم الإلهية والمنطق وغيرها. وهكذا فحين نتصفح فهارس الكتب القديمة، التي أوردت كتب الرازي، فإننا نجد فيها أسماء عدد كبير من العلماء الذين حاورهم الرازي أو ناقش آراءهم أو رد عليهم وجادلهم كما ترد فيها أسماء بعض الفرق الدينية أو الفلسفية.

فإذا تصفحنا أسماء الكتب الواردة في عيون الأنباء مثلا، عند ترجمته للرازي (324)، فستصادفنا الأسماء التالية:

سيسن المناني (225) والناشيء (326) والكندي (227) والجاحظ (228) والمعتزلة (229) وابن اليمان (230) وأحمد بن الطيب السرخسي (231) والمسمعي المتكلم (232) وجرير الطيب (233) وأبو القاسم البلخي (234) والحسن بن أسحق بن محارس القمي (235) وعلي بن شهيد البلخي (236) والكيال (237) وأهل الاعتزال (338) والبلخي (239) وعلى بن شهيد البلخي (240) ومنصور بن طلحة (241) وأبو القاسم بن دلف (342) وعلي بن وهبان (243) وابن أبي الساج (244) والراعي الأطروشي (245) والمسعودي (346) ويوسف بن يعقوب (247).

وقد أثارت أراؤه في الإلهيات- بشكل خاص- أكبر عدد من هذه المناقشات والمناظرات، وخاصة لدى دعاة المذهب الإسماعيلي ، فقد ناقضه ابن اليمان وأبو حاتم الرازي في كتابه في الطب الروحاني، وناقضه شهيد البلخي في كتاب اللذة ، وأبو القاسم البلخي في كتابه في العلم الإلهي وابن اليمان والمسمعي المتكلم في أمر الهيولى، وغير ذلك من المناقضات التي بدأت في عصره واستمرت بعده (248).

تلاميذه: 
لقد أثر الرازي فيمن حوله تأثيرا كبيرا، وقد كان له تلاميذ كثيرون، خاصة في مجال الطب، ولكننا لا نعرف عنهم شيئا كبيرا، ويبدو أن أحدا منهم لم ينبغ، فلم نسمع بهم أو نعرف عنهم.

وإذا صح ما يذكره ابن النديم نقلا عن شيخ من الري، فقد كان لدى الرازي تدرج في تعليم طلابه الطب النظري، وفنون المعالجة العملية، بشكل يشبه التدرج الحالي في التدريب الطبي، حيث يقول ابن النديم (249) " وكان يجلس في مجلسه  ودونه تلاميذه ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ آخرون، وكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من تلقاه، فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم، فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي في ذلك ".

ولابد أن عددا كبيرا من الأطباء تتلمذ على يد الرازي، ودرس عنه الطب بهذه الطريقة، ويدلنا على ذلك ما ورد في عيون الأنباء عند شرحه كيف أن ابن العميد جمع كتاب الحاوي من مسودات الرازي بعد وفاته حيث يقول (20) " فجمع تلاميذه الأطباء الذين كانوا بالري، حتى رتبوا الكتاب، وخرج على ما هو عليه من الاضطراب .

ويبدو أن شهرة الرازي العلمية والتدريسية في مجال الطب قد ذاعت، فأصبح طلاب الطب يقصدونه من مختلف الأماكن والأصقاع كما تذكر بعض الكتب مثل وفيات الأعيان (21) ومرآة الجنان (22) وغيرهما. ويرجح أن الرازي قد استقر بعد شهرته وذيوع صيته في الري وتفرغ في أواخر أيامه للتدريس والتأليف والمعالجة. وقد بلغ من ذيوع صيت الرازي أن ابن النديم يذكر أن رجلا قصده من الصين ليدرس عليه الطب باللغة العربية، ونقل عنه كتب جالينوس الستة عشرة (23).

ويرد اسم أحد تلامذة الرازي في الطب في عيون الأنباء نقلا عن القاضي التنوخي حيث يقول (354) " قال ابن قارن الرازي ، وكان تلميذا لأبي بكر الرازي الطبيب في الطب ".

كما يرد اسم آخر لأحد تلاميذه في عيون الأنباء عند ذكر أسماء كتب الرازي (2) حيث وجه الرازي إهداء أحد كتبه لهذا التلميذ وهو" يوسف بن يعقوب.

كما يذكر الرازي اسم تلميذ آخر من تلاميذه في مقدمة كتابه سر الأسرار(256) حيث يقول إنه ألفه بناء على طلب هذا التلميذ وهو " يونس بن محمد " وكان يشتغل بالرياضيات والعلوم الطبيعية والمنطقية كما يذكر الرازي.

وربما كان يحمي بن عدي أحد المشائين اليعاقبة، وقد درس الفلسفة على الرازي (257).

الخاتمة: 
تميزت حياة الرازي بقلة بل ندرة المعلومات الثابتة المتعلقة بمختلف جوانبها، وما وصل إلينا من معلومات عنها كان غامضا وغير مجدد، ولكن تميز الرازي أيضا بتنوع وغني واتساع أعماله، مع شدة تأثيره في مجالات العلوم التي " طرقها والتي وصلت إلينا، خاصة في الطب والفلسفة والإلهيات وعلم الكيمياء.

ونستطيع أن نذكر بفخر مساهمته في وضع الأسس العلمية التجريبية لعلم الكيمياء. 
كما أننا نستطيع من خلال دراستنا لأعماله الطبية (258) وصف الرازي بأنه أعظم أطباء عصره، وأن نضعه في صف أعظم الأطباء في تاريخ الطب بشكل عام.

ملاحظات: 
ا- أسماء الكتب والمؤلفين الموجودة في الهوامش قد تكون موجودة بين المراجع العربية أو الأجنبية. 
2- في ترتيب المصادر اعتبرنا كلمة " ابن " ولم نعتبر (الـ ) التعريف. 
3- في الهوامش يشير الرقم الأول والثاني إلى الجزء والصفحة من الكتاب المطبوع وإلى الصفحة والسطر من الكتاب المخطوط.

المراجع والمصادر

أ- العربية: 
* المخطوطات: 
ا- رسالة " كروفيلم عن مخطوطة إيران، مجلس شوراى رقم 4679.

* ا لمطبوعات: 
أ- ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، تأليف أحمد بن قاسم بن خليفة السعدي المعروف بابن أبي أصيبعة، شرح وتحقيق الدكتور نزار رضا- منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت 1965 م. 
2- ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في معرفة أخبار ملوك مصر والقاهرة، تأليف ، جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي. مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة ط 1، 1351 هـ (1932 م).
تم نشره بواسطة: م - 12:26:00 ص

 

Copyright ©2016 | تعريب وتطوير قوالب بلوجر صواريخ |Designed By Templatezy